علّمتني سر التحيات يا رسول الله

  • انقر للتقييم

    يا رسول الله...

    علّمتني الصلاة، ثم تركت لي في ختامها موعدا لا يشبه مواعيد الأرض؛ أجلس فيه ساكنا، وقد هدأ جسدي من القيام والركوع والسجود، لكن قلبي يبدأ رحلته الكبرى.

    أجلس للتشهد، وكأنني أجمع شتات روحي، ثم أقول:

    التحيات لله، والصلوات والطيبات...

    فأفهم منك يا رسول الله أن كل تعظيم لا يليق إلا بالله، وأن كل صلاة له، وكل كلمة طيبة تصعد إليه، وكل جمال في الكون أثر من آثار فضله.

    علّمتني ألا أنحني إلا له، وألا يملك قلبي سواه، وألا أضع خوفي ورجائي بين يدي مخلوق. فإذا قلت: التحيات لله، نزعت من قلبي تيجان البشر، ووضعت جلال الملك كله بين يدي ملك الملوك.

    ثم أقول:

    السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته...

    وهنا لا يعود التشهد كلمات يرددها لساني؛ بل يصبح قلبي رسالة، وتصبح الصلاة طريقا يمتد من مكاني إليك.

    السلام عليك يا رسول الله...

    سلام من جاء بعدك بقرون، لكنه وجدك في كل ركعة.
    سلام من لم تره عيناك، ولكنه عاش على نور ما علمت.
    سلام من لم يجلس بين أصحابك، لكنه يتمنى لو كان ترابا تحت قدميك يوم اشتد عليك الطريق.

    السلام عليك يوم وقفت تصلي حتى تورمت قدماك.
    السلام عليك يوم سجدت تناجي ربك وتبكي لأمتك.
    السلام عليك يوم قلت: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فانتقلت صلاتك من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل، حتى وصلت إلي وأنا أجلس الآن وأرسل سلامي إليك.

    يا رسول الله...

    أتيت متأخرا، فلم أرك حين كنت تمشي في طرقات المدينة، ولم أسمع القرآن من فمك، ولم أقف خلفك في الصلاة؛ ولكنك علمتني كيف أقف بين يدي الله، وكيف أركع له، وكيف أضع جبهتي على الأرض فلا أرفعها إلا وقد خف عن قلبي شيء من الدنيا.

    ثم أقول:

    السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين...

    فأشعر أن قلبي لم يعد وحيدا؛ فقد أدخلتني بكلماتك في قافلة النور: مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومع كل عبد ركع لله في ليل بعيد، وكل أم رفعت كفيها باكية، وكل تائب عاد، وكل قلب خفي أحبه الله.

    السلام علينا...

    على ضعفنا حين يستره الله،
    وعلى قلوبنا حين تعود إليه،
    وعلى أرواحنا التي أتعبتها الدنيا، ثم وجدت في الصلاة وطنا.

    والسلام على عباد الله الصالحين...

    على من سبقونا بالإيمان،
    وعلى من يعيشون معنا ولا نعرف أسماءهم،
    وعلى من سيأتون بعدنا ويحملون النور نفسه،
    حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

    ثم أقول:

    أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

    وهنا يبلغ الحب كماله؛ فأنت الذي أحببناك فوق حب أنفسنا، علمتنا ألا نرفعك فوق مقام العبودية، لأن أجمل أسمائك أنك عبد الله ورسوله.

    فأشهد أن لا معبود بحق إلا الله،
    وأشهد أنك رسوله الذي دلنا عليه،
    وأنك النور الذي لم يدعنا نعبد النور، بل قادنا إلى رب النور.

    ثم أصلي عليك:

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...

    فماذا يملك المتأخر مثلي ليهديه إليك؟

    لا أملك إلا أن أسأل الله أن يصلي عليك.
    هو الذي يعرف قدرك، وهو الذي يجزيك عنا، وهو الذي اختارك رحمة للعالمين.

    يا رسول الله...

    كلما جلست للتحيات، وجدتك حاضرا في معنى الصلاة: علمتني أولها، وأرشدتني في أفعالها، وجعل الله سلامي عليك في ختامها.

    فإن لم أكن قد رأيت وجهك، فقد رأيت أثر هديك.
    وإن لم أسمع صوتك، فقد بلغتني كلماتك.
    وإن لم أصل خلفك في المدينة، فإني أصلي كما علمت، ثم أجلس في آخر صلاتي وأقول بكل ما في قلبي من حب واشتياق:

    السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

    سلام مشتاق لم يرك،
    ومحب يرجو لقاءك،
    ومتأخر يتبع أثرك،
    ويرجو أن يرد حوضك،
    وأن يسمع منك يوما كلمة تمحو وحشة القرون:

    مرحبا بأخي الذي آمن بي ولم يرني.

    اللهم لا تحرمنا صحبته في الجنة، واسقنا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبدا، واجمعنا به غير خزايا ولا محرومين.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، ما نطق مصل بالتحيات، وما أرسل قلب مشتاق إليه السلام.

0 تعليقات
  • ٪ s معجب بهذا