بوتين والرؤساء الأمريكيون

  • انقر للتقييم

    حين تقرأ السياسة بميزان القرآن

    ليس الفيلم الوثائقي **Putin and the Presidents** مجرد حكاية عن رجل روسي صعد إلى السلطة، ولا مجرد سرد لعلاقة متوترة بين موسكو وواشنطن، بل هو نافذة على عالم السياسة حين تفارقها البصيرة الأخلاقية، وتصبح الكلمات أقنعة، والابتسامات مصائد، والرموز الدينية أدوات عبور إلى قلوب الخصوم.
    ولو قُرئ هذا الفيلم بعين قرآنية، لرأيناه درسا في معنى قوله تعالى:
    **﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾** [فاطر: 43].
    فالسياسة القائمة على المكر قد تنجح يوما، وقد تخدع رئيسا، وقد تضلل شعبا، لكنها لا تلغي سنة الله في التاريخ. إن المكر ليس ذكاء مطلقا، بل دين مؤجل السداد، يدفع صاحبه ثمنه حين يظن أنه بلغ قمة السيطرة.
    الفيلم يصور بوتين رجلا يعرف كيف يدخل إلى نفوس الرؤساء. أمام بيل كلينتون يظهر طالبا للتقارب، سائلا عن موقع روسيا من النظام الغربي، حتى إذا رأى أن الأبواب ليست مفتوحة كما توحي الابتسامات، أدرك أن العلاقات الدولية لا تُدار بالمجاملات وحدها، بل بالخوف والمصالح والهيمنة. وهنا يلوح معنى قوله تعالى:
    **﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾** [آل عمران: 118].
    فليست كل يد ممدودة يد سلام، وليست كل كلمة ناعمة عنوان صدق.
    ثم تأتي قصة جورج بوش الابن، كما يعرضها الفيلم، حين يقترب بوتين من عالمه النفسي والديني، فيروي له قصة العقد أو الصليب وصورة القديس، فيرى بوش في عينيه ما ظنه صدقا وإيمانا. وهنا تظهر خطورة الرموز حين تُفصل عن حقيقتها. فالقرآن لا ينهانا عن حسن الظن، لكنه ينهانا عن السذاجة التي تعطل التثبت:
    **﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾** [الحجرات: 6].
    والتبين هنا ليس في الأخبار وحدها، بل في الرجال، والمواقف، والسياسات، والعهود، والابتسامات التي قد تخفي وراءها مشروعا طويلا من الدم والحديد.
    إن القرآن لا ينظر إلى القوة نظرة سطحية. لا يقول لنا: كل قوي شرير، ولا كل ضعيف طاهر. لكنه يكشف أن القوة حين تنفصل عن العدل تصبح طغيانا، وأن الذكاء حين ينفصل عن التقوى يصبح مكرا، وأن الدولة حين تفقد الخوف من الله تتحول إلى آلة ضخمة تبتلع الإنسان. قال تعالى:
    **﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾** [القصص: 4].
    وهذه ليست قصة فرعون وحده، بل قانون يتكرر: كل سلطة ترى الناس قطعا على رقعة شطرنج، وكل حاكم يبني مجده على تفريق الشعوب وإرهابها، يحمل في داخله شيئا من الفرعونية.

    ومن العجيب أن القرآن حين يصف مكر الكبار لا يجعله حادثا عابرا، بل سنة اجتماعية في القرى والدول والحضارات:
    **﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾** [الأنعام: 123].
    إن أخطر المجرمين ليسوا دائما في الأزقة المظلمة، بل قد يكونون في القصور، وفي غرف القرار، وعلى موائد التفاوض، يلبسون ربطات العنق، ويتحدثون عن السلام، بينما الخرائط في عقولهم تقطع البلاد كما يقطع الجزار اللحم.
    ولهذا لا ينبغي أن ننخدع بصورة واحدة. فالفيلم قد يدفع المشاهد إلى رؤية بوتين باعتباره المحتال الأكبر، وهذا له وجهه، لكن القراءة القرآنية الأوسع تقول: لا تجعلوا الصراع بين ذئب وملائكة. أمريكا أيضا ليست بريئة لمجرد أنها تتحدث عن الديمقراطية، وروسيا ليست عادلة لمجرد أنها تعارض أمريكا. القرآن يعلمنا أن الميزان ليس الشعارات، بل العدل:
    **﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾** [الأنعام: 152]،
    ويقول:
    **﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾** [المائدة: 8].
    فلا يجوز أن يدفعنا كرهنا للهيمنة الأمريكية إلى تصديق كل خصومها، ولا أن يدفعنا خوفنا من بوتين إلى تقديس الغرب. المؤمن لا يعبد المحاور السياسية، ولا يسلّم عقله لهذا المعسكر أو ذاك.
    إن الشعوب الضعيفة تقع كثيرا في هذا الفخ: تبحث عن بطل خارجي ينتقم لها من أعدائها، فإذا تكلم زعيم قوي ضد خصمها صفقت له، ونسيت أن القرآن حذر من الركون إلى الظالمين، لا من الركون إلى ظالم دون ظالم:
    **﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾** [هود: 113].
    فالركون ليس فقط تحالفا عسكريا، بل قد يكون ركونا نفسيا، وانبهارا إعلاميا، وتسليما عاطفيا، وتصديقا ساذجا بأن من عادى عدوي صار صديقي.
    وكم في عالم اليوم من زعماء يعرفون كيف يخاطبون جراح الشعوب. واحد يحدثنا عن مقاومة الإمبريالية، وآخر عن حماية الأقليات، وثالث عن حقوق الإنسان، ورابع عن الدين والتراث. لكن القرآن يطلب منا ألا نكتفي بالألفاظ، بل ننظر إلى الأثر: أين الدم؟ أين العدل؟ أين السجون؟ أين المستضعفون؟ أين حرية الناس وكرامتهم؟
    قال تعالى:
    **﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾** [إبراهيم: 42].
    فقد يربح الظالم جولة في نشرات الأخبار، لكنه لا يربح في سجل السماء.
    وإذا كان الفيلم يكشف سذاجة بعض الرؤساء الأمريكيين أمام حيل بوتين، فإنه يكشف أيضا سذاجة أعمق: سذاجة الحضارة الحديثة التي تظن أن المعلومات تكفي عن البصيرة. قد تملك المخابرات ملفات عن الرجل، وتعرف طفولته، وشبكاته، ونقاط ضعفه، ومع ذلك تعجز عن فهم حقيقة نفسه. لأن الإنسان ليس ملفا فقط، بل قلب، وطمع، وخوف، وغرور، وتاريخ، وجرح قديم. والقرآن يختصر هذه الحقيقة بقوله:
    **﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾** [الروم: 7].
    إنهم يعلمون الظاهر: الاقتصاد، الجيوش، التحالفات، استطلاعات الرأي. لكنهم يغفلون عن الباطن: الكبر، الحقد، حب السيطرة، وشهوة البقاء في الحكم.
    ومن هنا فإن المشكلة ليست في بوتين وحده، ولا في الرؤساء الأمريكيين وحدهم، بل في عالم كامل جعل السياسة بلا آخرة. والسياسة إذا فقدت الآخرة فقدت الحياء. وإذا فقدت الحياء صارت الدماء أرقاما، والمدن خرائط، والشعوب أوراق ضغط. عندئذ نفهم قول ملكة سبأ كما حكاه القرآن:
    **﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾** [النمل: 34].
    إنها ليست جملة تاريخية فقط، بل وصف متكرر لما تفعله القوة حين تدخل بلا عدل: تفسد، وتذل، وتعيد ترتيب الناس على مقاس سلطانها.
    أما نحن، فليست العبرة أن نقول: بوتين خدع بوش، أو أمريكا خدعت روسيا، أو روسيا خدعت العالم. العبرة أن نخرج من طفولة سياسية طويلة. أن نتعلم ألا نصدق كل من لمس جرحنا، ولا كل من قال إنه معنا، ولا كل من عادى من نعاديه. فقد قال تعالى:
    **﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾** [البقرة: 220].
    والمؤمن مطالب أن يطلب علامات الإصلاح لا ادعاءاته، وأن يرى ثمار الفعل لا زخارف الخطاب.
    إن الفيلم يذكرنا أن العالم غابة أنيقة. فيها ذئاب ترتدي بذلات رسمية، وتتكلم بلغات دبلوماسية، وتوقع الاتفاقيات أمام الكاميرات، ثم تترك الشعوب تحت الركام. ولكن القرآن لا يريد منا أن نيأس، بل أن نستيقظ. لا يريد منا أن نكره العالم، بل أن نقرأه بميزان الله. لا يريد منا أن نكون ساذجين باسم الطيبة، ولا ظالمين باسم الواقعية.
    فالطيبة بلا وعي قد تتحول إلى فريسة، والوعي بلا تقوى قد يتحول إلى مكر، والقوة بلا عدل قد تتحول إلى فرعون جديد.
    ولذلك فإن الخلاصة القرآنية من هذا الفيلم ليست أن بوتين وحده ذئب، ولا أن أمريكا وحدها غابة، بل أن الإنسان حين يخرج من سلطان الله يدخل في سلطان الهوى. وحين يحكم الهوى العالم، تصبح الرؤساء وجوها مختلفة لحقيقة واحدة: صراع على الأرض، ونسيان للسماء.
    قال تعالى:
    **﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾** [آل عمران: 140].
    فلا بوتين باق، ولا أمريكا باقية، ولا كل إمبراطورية ظنت أنها نهاية التاريخ باقية. الباقي هو الحق، والعدل، وسنة الله التي لا تحابي أحدا.
    ومن لم يقرأ السياسة بالقرآن، خدعته الوجوه.
    ومن لم يزن الزعماء بالعدل، عبد الأقوياء وهو لا يشعر.
    ومن لم يتعلم من مكر الكبار، صار وقودا في معاركهم.
    وصدق الله:
    **﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ۝ وَأَكِيدُ كَيْدًا ۝ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾** [الطارق: 15-17].

0 تعليقات
  • ٪ s معجب بهذا